إيناس حسني

عرض حسب الشبكة قائمة
فرز حسب
عرض في الصفحة الواحدة

التلامس الحضاري الإسلامي الأوروبي

العدد: 366

هذا الكتاب: لعل من أبرز الأمور التي استوقفت الباحثين، السرعة التي تمت بها بلورة أسلوب واضح المعالم ومتكامل لفن إسلامي ذي مضامين إشارية شاملة، وبأداء واحد ونظام معماري جلي نابع من فكر مسلم، وذلك في فترة زمنية قصيرة، وعلى الرغم من تنوع مصادر هذا الفن، فقد بدأ قائما على وحدة الشكل التي من أعظم مظاهرها استيحاؤها فكرة الزمان والمكان. ولا شك في أن هذا الفن لم يولد من فراغ، ومن أجل فهم الظروف التي وجد فيها الإسلام ونما، دولة ومجتمعا وحضارة من بعد، لا بد من الإحاطة بالظروف التاريخية والموضوعية التي واكبت الحكم الإسلامي، والتفاعل الذي جرى بينه وبين الحضارات التي سبقت مجيئه. لقد تجلت قدرة الفن الإسلامي في إضفاء طابع مميز مرتبط بتوجه فكري ووجداني محدث منذ البداية، فالآثار الإسلامية الأولى التي نجدها في بناء قبة الصخرة والمسجد الأموي والقصور الصحراوية دليل واضح على مدى استفادة العرب والمسلمين من الحضارات القائمة واستيعابها خلال فترة وجيزة، لتغدو جزءا من نمط فكري سرعان ما تبلور عنه فن عظيم. وفي الغرب الأوروبي، ومع بداية الثورة التي تفجرت على نطاقات الفكر والفن وأسلوب الحياة، أعلن الفنانون أيضا ثورتهم على الحضارة البرجوازية، مستخدمين في ذلك الرفض الكامل للقيم التقليدية والنزوح بعيدا عن الواقع، وتجلى هذا النزوح في اللجوء إلى بلاد الشرق، حيث أصاب الشرق فناني الغرب بلفحة من الدفء، فانتقل جزء من البهاء الشرقي إلى صميم أعماقهم، وكانت مدينة البندقية محط هذا الاستشراق الفني، الذي بدأ فرديا منذ القرن التاسع عشر، وكان "ديلاكروا" الفاتح الأول لطريق الاستشراق في الجزائر والمغرب في العام 1830، حتى أن تيوفيل غوتييه عبر عن ذلك قائلا: "إن السفر إلى الجزائر أكثر أهمية بالنسبة إلى المصورين الغربيين من السفر إلى إيطاليا".
$1.00