النشاط الأثري ودوره في كتابة تاريخ الكويت الحضاري


أوكل قانون الآثار الكويتي الصادر بمرسوم أميري رقم 1 لعام 1960م وتعديلاته اللاحقة إلى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب مهمة حماية الآثار وتسجيلها ونظم طرق المحافظة عليها، ومنذ عام 1957م بدأ البحث الأثري في دولة الكويت، وقد وضعت النتائج المتلاحقة لما تم الكشف عنه في أرض الكويت على الخارطة الحضارية للمنطقة، إذ تزخر أرض الكويت بتراث حضاري إنساني دلت عليه برامج المسح والتنقيب الأثري سواءً على الأرض الأم أم في الجزر الكويتية، وقد دلت نتائج المسح والتنقيب تلك على أنه في نهاية الألف السادس قبل الميلاد بدء استقرار الإنسان على أرض الكويت، ففي منطقة الصبية الواقعة في شمال جون الكويت وتحديدا في شبه جزيرة طبيج كشفت عن بعض المواقع العائدة لحضارة العبيد، وقد أجريت أعمال التنقيب الأثري في بعض هذه المواقع واتضح أنها مستوطنات تتكون كل مستوطنة من عدد من الحجرات المتجاورة، وكشف في هذه المستوطنات عن ورش لتصنيع الخرز الصدفي وهي إحدى السلع التجارية في تلك الفترة، إن اللقى الأثرية التي عثر عليها في هذه المواقع تشير إلى نشاط بحري كبير مع بعض المراكز الحضارية القريبة والدلائل على هذا النشاط البحري كثيرة، فقد عثر على نموذج من الطين لأقدم قارب بحري، واستمر الاستيطان في هذه المواقع حتى منتصف الألف الرابع قبل الميلاد. ومع نهاية الألف الثالث وبداية الألف الثاني قبل الميلاد بدء ظهور القرى الكبيرة المعروفة بقرى العصر البرونزي التي ازدهرت بازدهار الطريق البحري القديم الذي كان يمر بالخليج العربي، وبدت ملامح هذه الفترة تظهر في الجزر، كجزيرة فيلكا وأم النمل وجزيرة الشويخ (عكاز) وشمال جون الكويت، ففي شمال جون الكويت كشف عن مجموعة من تلال المدافن، وتنتشر هذه المدافن في منطقة واسعة من شمال جون الكويت،

وقد أرخت في الفترة من الألف الرابع ولغاية القرن الثاني الميلادي ومن المحتمل أن هذه المدافن كانت لمجموعات بشرية متنقلة على طول الطريق التجاري الصحراوي المنطلق من دلمون جنوباً إلى بلاد الرافدين شمالاً. وفي جزيرة الشويخ (عكاز) كشف عن بعض الكسر الفخارية وكسر الحجر الصابوني المؤرخة بالألف الثاني قبل الميلاد، وهي مشابهه ومعاصرة لتلك الكسر التي عثر عليها في جزيرة فيلكا، كما عثر في جزيرة أم النمل عن مواقع ترجع إلى تلك الفترة ولعل أهمها ذلك الفرن المخصص لشي الفخار، وقريب من هذا الفرن كشف عن مزار أرخ بالألف الثاني قبل الميلاد، أما في جزيرة فيلكا - والتي يعتقد بأن اسمها القديم بحسب النصوص المسمارية أجاروم- فقد كشف عن مستوطنات متكاملة ترجع إلى الفترة المبكرة من الألف الثاني قبل الميلاد كالمدينة الدلمونية التي تضم مجمعاً سكنياً يشمل مجموعة من الدور السكنية ومعبدا كرس لعبادة الإله انزاك كبير آلهة دلمون وكذلك موقع قصر الحاكم أو المنطقة الإدارية للجزيرة ويرتبط هذا الموقع بالمعبد البرجي القريب منه، كما كشفت أعمال التنقيب الأثري عن مستوطنة أخرى تطل على ميناء طبيعي يعتقد أنه الميناء القديم للجزيرة، وتشير الدراسات إلى أن جزيرة فيلكا ارتبطت ارتباطا وثيقا بمملكة دلمون التي ورد ذكرها في النصوص المسمارية الرافدية كما تشير بعض الدراسات إلى أن جزيرة فيلكا كانت أحدى المراكز الحضارية والمحطات التجارية المهمة لمملكة دلمون، لقد لعبت جزيرة فيلكا دورا حضاريا مهما في تلك الفترة بسبب وقوعها علي الطريق الـتجاري الـبحـري الـعالـمي الـذي يربـط حضارات بلاد الرافدين وحضارات جنوب شبه الجزيرة العربية، ومع نهاية الألف الثاني ولغاية منتصف الألف الأول قبل الميلاد اضمحل دورها الحضاري نتيجة إلى انهيار وتمزق المراكز الزراعية في بلاد ما بين النهرين وجنوب غربي إيران ووادي السند كما تعرضت شبكة التجارة الواسعة النطاق إلى الركود، وأصيبت الملاحة في منطقة الخليج العربي بانتكاسة كبيرة نتيجة لظهور قوى جديدة في المنطقة، مما أدى إلى انهيار ما يسمى باتحاد دلمون ،

وبالرغم من ذلك ما زالت هذه الجزر تمارس دورها الحضاري على المستوى الإقليمي ففي جزيرة فيلكا كشف عن دلائل حضاريـة في مـوقع المعبد البرجي و تل الخزنة ترجع إلى منتصف الألف الأول قبل الميلاد. وفى النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد دخلت منطقة الخليج العربي مرحلة جديدة وذلك عندما أزاح الاسكندر الأكبر السيطرة الفارسية الأخمينية عن الكثير من مناطق بلاد الرافدين والخليج العربي، ووقعت جزيرة فيلكا تحت التأثير الهلنستي المباشر، وأصبحت جزء من أراضي الإمبراطورية السلوقية، وقد كشفت أعمال التنقيب الأثري عددا من المستوطنات التي ترجع إلى تلك الفترة كالقلعة الهلنستية وما تضمه في داخلها من أبراج للمراقبة ومعبدان إضافة إلى مباني سكنية وخندق يحيط بالقلعة من الخارج وهي قلعة فريدة في منطقة الخليج العربي كما كشف أيضا عن مبني استخدم كخان أو دار للضيافة يتكون من 12 غرفة كان يستخدم لراحة المسافرين أو التجار بالإضافة إلى معبد صغير على ساحل البحر، ورغم مقاومة السكان المحليين لهذا الغزو الخارجي إلا أن التفوق العسكري للإمبراطورية السلوقية كان حاسماً نظراً لأهمية جزيرة فيلكا كمحطة على الطريق التجاري القديم، لكن السكان المحليين قد دفعوا بالغزاة الجدد لأن يتحصنوا في أقصى الطرف الجنوبي الغربي من الجزيرة، وخلال الفترة التي أعقبت الغزو السلوقي بدأت بواكير تأثيرات حضارية جديدة بالظهور، وهذه المرة كان لجزيرة عكاز النصيب الأكبر من هذه التأثيرات،

فقد كشف عن مستوطنة سكنية فيها الكثير من المنتجات المستوردة، كما عثر على بعض الجرار المستوردة مكتوب عليها بالخط المسند، مما يشير إلى التبادل التجاري في تلك الفترة بينها وبين مناطق شبه الجزيرة العربية. ويعتبر ظهور الإسلام منعطفاً حاسماً في منطقة الخليج العربي حيث صبغت المنطقة بصبغة إسلامية منذ الفترة المبكرة وشكل ساحل الخليج والأراضي الداخلية من دولة الكويت إلى عمان بما فيها البحرين وحدة سياسيه كان يطلق عليها اسم البحرين أو هجر وتشير الدراسات التاريخية إلى أن معركة ذات السلاسل التي وقعت بين المسلمين والفرس عام 12 هجرية وهي من المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي قد حدثت في منطقة كاظمة بالكويت كما تعتبر منطقة القصور من أكبر المناطق التى تمثل تلك الفترة، فبانتقال مركز الخلافة إلى بغداد في العصر العباسي أصبح الخليج العربي شرياناً مائياً هاماً وحيوياً واستطاعت المراكز الحضارية القديمة النهوض مرة أخرى . وتشير تقارير المسح الأثري إلى انتشار مراكز حضارية ترجع إلى هذه الفترة في وادي الباطن الذي يعتبر جزء من طريق الحج البصري وكذلك منطقة أم العيش وكاظمة إضافة إلى جزيرة عكاز حيث كشف عن أطلال كنيسة تعود إلى هذه الفترة إضافة إلى الكشف عن العديد من المستوطنات في جزيرة فيلكا كمنطقة القرينية والصباحية وسعيدة. وعليه؛ فإن الاكتشافات الأثرية في دولة الكويت - والتي بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي ولا تزال - كشفت عن الدور البارز للحضارة الإنسانية التي قامت على أرض الكويت، وفي القرن السادس عشر هاجر العتوب إلى أرض الكويت ومنذ تلك الفترة ازدهرت أرض الكويت، وبدأت الكثافة السكانية تزداد، وشهدت هذه الفترة تشييد بعض القرى في جزيرة فيلكا وحول جون الكويت، وكانت مدينة الكويت هي مركز الاتصال الحضاري بين هذه القرى، واستمر نمو مدينة الكويت وأصبحت هي المركز والعاصمة ومنها بدأت ملامح الدولة الحديثة، وتدل الحفريات التي أجريت في مدينة الكويت القديمة أن النمط المعيشي بدأ في التغير السريع، فدخلت الكثير من المنتجات التجارية إلى أرض الكويت ونشطت التجارة بعيدة المدى، وأصبحت الكويت منذ ذلك الوقت ميناءً مهماً على رأس الخليج العربي.