المرسم الحر


إعداد : عبدالله خلف البيشي

إشراف ومراجعة المهندس : طالب الرفاعي

المراجعة النهائية المستشار المعماري : أحمد زكريا الأنصاري

 

: مقدمة

إن فن العمـارة وعبر مسـيرته البشرية الطويلة ، إنما جاء بوصفه انعكاساً لواقع الحياة التي يحياها أفراد أي مجتمع من جهة ، ومعبراً وملبياً لاحتياجاتهم ومتطلباتهم المعيشية والاجتماعية و الثقافية من جهة أخرى . لذا فإن الطابع الأوضح للعمارة في الكويت منذ بدايات هذا القرن وحتى مطلع الخمسينيات ، يتمثل أساساً في بساطة تصميمها ، والبساطة هنا لاتعني السطحية ، ولا العشوائية ، فقد صممت وبنيت بطريقة علمية غير مكتوبة صقلتها الخبرة ، إلى جانب استلهامها للقيم والتراث المحلي وضرورات الحياة التي كان المجتمع الكويتي يعيشها وقتذاك . حيث أنها استخدمت المواد المتوفرة من صخور البحر ، والطين ، والجص والرماد إضافة إلى مواد أخرى كانت تستورد من الخارج مثل : الحصر( البواري - المنقور ) عوارض ( الجندل ) الخشبية والتي كانت تستخدم لتقوية أسقف غرف المنازل وكذلك ( الباسجيل ) و( القار ) الذي يدهن به الجندل والباسجيل حماية من النمل الأبيض(الأرضة ) .

( الأستاذ ) لقب كان يطلق على رئيس فرقة البناءين ، والذي كان يختصر في شخصيته مهمة ووظيفة كل من : المعماري ، والمهندس المدني ، والمتعهد

وفي الغالب الأعم ، لم يكن الأستاذ يستند في عمله إلى مخططات معمارية أو إنشائية ، بل إنه يقود فرقة عمله معتمداً على الخبرة العملية الموقعية ، والتي يتوارثها الآباء عن الأجداد ، ويورثونها بدورهم لأبنائهم

بالرجوع إلى تصميم بيوت تلك الفترة ، نلاحظ وجود ملامح عامة مشتركة ، سواء على مستوى مواد البناء أو الشكل الخارجي ، حيث يوجد مدخل رئيسي لكل بيت يقود عبر ممر مسقوف يسمى : ( دهليز- ليوان ) إلى باحة أو (حوش) البيت ، والذي عادة ما يأخذ شكل المربع أو المستطيل المكشوف ، السابح في ضوء الشمس ، تتوسطه بركة الماء حيث تجمع المياه العذبة ، وتطل على محيطه غرف البيت . وفي زاوية من زوايا الحوش يقبع درج طيني ، أو سلم خشبي يعرف بـ ( الصيري ) يقود إلى سطح البيت . والذي غالباً ما يكون المكان المفضل والأثير للنوم صيفاً

                                                           

ملخص تاريخي

  • مالك البيت : جاسم بن محمد الغانـم الجبر ، أحد تجـار اللؤلؤ
    الأثريـاء في الكويت توفـي عام 1372 هـ / 1952 م
  • تاريخ الإنشاء : 1919 م
  • المساحة : 1937 متراً مربعاً
  • رقم الوثيقة : 4109 / 58
  • عام 1960 تم استغلال البيت لرعاية الفنون التشكيلية وأطلق عليه المرسم الحر 
  • تاريخ التثمين : 5 / 6 / 1966
  • رقم صيغة الاستملاك : 13421
  • رقم المخطط : 23096
  • الموقع : منطقة ( الشرق ) التي تطل على شارع الخليج العربي
  • ضم البيت إلى إدارة الآثار والمتاحف عام 1979 م ، ومستغل حالياً من
    قبل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بوصفه  بيتاً للفنون

إن بيت الغانـم ، والذي أطلق عليه مؤخراً اسم : ( المرسم الحر ) يعتبر نموذجاً متميزاً وصالحاً تماماً لرؤية وتلمس الملامح الأساسية للعمارة الكويتية القديمة ، وتحديداً تكوين البيت الكويتي القديم والذي تدرس فيه الحركـة (CIRCULATION) والتوجيــه الســـــليم ( ORIENTATION ) بكل دقة ، وانعكاسها على التحام الأسرة الواحدة التي تجمع بين جنباتها أكثر من جيل وتعيش مجتمعة تحت سقف واحد

                                                             

: لقد عايش ( المرسم الحر ) ثلاث فترات ، تتوزع على النحو التالي

  • الفترة الأولى من عام ( 1919 وحتى عام 1951 ) حيث كان بيت معيشة لأصحابه وأهله من آل الغانم
  • الفترة الثانية من عام ( 1951 وحتى عام 1960 ) حيث تمت توسعة البيت بإضافة مساحة إضافية ملاصقة جهة الجنوب الشرقي
  • الفترة الثالثة من عام ( 1960 وحتى الوقت الحالي ) ففي مطلع عام 1960 وبسبب من انتقال الأسر الكويتية من الأحياء الكويتية القديمة ، إلى المناطق السكنية الحديثة ، غادرت أسرة الغانم بيتها ، ليدشن عهداً جديداً له ، وليحتضن البيت بكرمه حركة الفن التشكيلي الكويتي حيث أطلق عليه في حـينه اسم ( المرسم الحر ) وتـمَّ تجهيز مسبك وكذلك ورشة عمل فنية في موقع حوش الغنم سابقاً . وهكذا تحولت غرفه وصالاته إلى ورشات فنية أضاء جنباتها الرعيل الأول من الفنانين التشكيليين الكويتيين ، وكان أحد أهم مظاهرها ( معرض الربيع ) والذي أبرز العديد من المواهب الأصيلة التي كانت ولم تزل تمثل رموزاً إبداعية متميزة لحركة الفن التشكيلي

 

: الشكل العام

                                                             

يتكون ( المرسم الحر ) كمعظم بيوت الكويت في تلك الفترة من دور واحد . حيث تم استخدام الطين وصخر البحر المغلف بالجص الأبيض في بنائه ، كما واستعمل الجندل والباسجيل والبواري (المنقور )* في تقوية وتجميل مجمل أسقف غرف البيت . وكأي بيت عربي قديم ، تتوزع الغرف على امتداد أضلع محيط البيت ، وتطل بأبوابها وشبابيكها الداخلية على الأحـواش المربعة ، والتي غالباً ما تزدان بشـجرة السدر أو النخل أو أية أشجار معمرة أخرى ، ويمكن إيجاز أبرز سمات الشكل العام في ( المرسم الحر ) فيما يلي

  • للبيت ثلاثة مداخل ، الرئيسي للديوانية ويفتح على جهة الشمال الغربي - شارع الخليج العربي المطل على شاطئ الخليج ، والمدخلان الباقيان أحدهما للحرم ويحتل جهة الشمال الشرقي والآخر في الجنوب الغربي للمطبخ . وباستثناء جدران الواجهة الأمامية لديوانية الرجال ، فإن جميع جدران البيت الخارجية مصممة دونما شبابيك أو أية فتحات أخرى وتتراوح سماكة الجدران بين 50 الى 100 سنتميتر
  • بموازاة واجهة البيت الرئيسية التي تطل على شارع مدينة الكويت الرئيسي : شارع الخليج العربي ، والذي كان ولم يزل يمثل شريان المدينة ومتنفسها الأول ، بموازاة هذه الواجهة ، تمتد دكتان من الطوب تعلوهما طبقة من مساح الجص الأبيض ، تمثل استراحة للرجال ومجلس لقاء وحوار
  • يتسم ( المرسم الحر ) بميزة تجميلية خاصة به ، فالواجهة الخارجية لحجرة استقبال الرجال – الديوانية ، تحوي خمسة شبابيك ذات عتبات منخفضة وعقود مرتفعة . هذه الشبابيك تطل على شارع الخليج ، ومن خلفه تلوح مياه الخليج ، ولولا هذه الشبابيك لغدت هذه الواجهة بأكملها مصمتة ، مما يحرم الغرف اتصالها بالعالم الخارجي ، وتمتعها بضوء الشمس ونور الحياة

: أقسام البيت

: يمكن تقسيم ( المرسم الحر ) إلى أربعة أقسام أو أحواش ، وعلى النحو التالي

:( أولاً : حوش الديوانية ( استقبال الرجال

يقود باب المدخل الرئيسي إلى ممر قصير ( دهليز ) يفتح على الليوان وحوش الديوانية والذي تقارب أبعاده ( 10.20 م × 9.00 م ) . وتحتل دكة من الطوب المغطى بطبقة من الجص جانبه الأيسر ، سقف الدهليز محمل على عوارض خشبية ( جندل ) ، في منتصفها ينتصب عمود خشبي حاملاً عارضة خشبية متعامدة وحاملة لجميع عوارض جندل الدهليز

في منتصف الدهليز جهة اليسار ، يوجد مدخل لديوانية الرجال ، والتي تطل من جهتنا الداخلية على شرفة مسقوفة ( الليوان ) ، وللديوانية خمسة أبواب تطل على الليوان أيضاً

أبواب الديوانية خشبية من النوع الهيكلي ذي الحشوات ، وتعلو الأبواب شراعات زجاجية نصف دائرية مقسمة إلى ثلاثة أجزاء بواسطة زخارف خشبية على هيئة منحيات أضلاع تأخذ شكل المقعرات والمحدبات

تتصل الديوانية عن طريق أبوابها الخمسة الداخلية بالليوان ( الشرفة المسقوفة ) والذي يطل بدوره على حوش الديوانية المكشوف ، ويرتفع عنه بمقدار درجة واحدة ( عتبة ) ويتصل الليوان بباب داخلي لغرفة تجهيز وإعداد القهوة والتي يتصل بها باب صغير جهة ( الشمال الغربي ) وأغلب الظن أن هذا الباب كان يستخدم للأشخاص الذين يتولون الإشراف على خدمة ديوانية الرجال وكذلك تجهيز القهوة العربية ، ويقابل الليوان المتصل بالديوانية ليوان آخر من جهة الجنوب الشرقي يطل على الحوش المكشوف مرتفعاً عنه بالمقدار نفسه : درجة واحدة (عتبة) ومرتبطاً بغرفتين إحداهما تستخدم لتخزين الأغذية وأخرى كغرفة نوم لاستضافة الزائرين ملحقاً بها حمام ، ولقد تم دمج الغرفتين والحمام الملحق بهما ، وإزالة حوائطهما الفاصلة ، لتصبح غرفة واحدة كبيرة متصلة ببابين. علماً بأن أرضية كل من الحوش والليوانين مغطاة ببلاط الآجر الأصفر

حوش الديوانية ، يماثل في تصميمه وموقعه التصميم الأعم المعروف للحوش العربي عموماً والحوش في البيت الكويتي على وجه الخصوص ، حيث الشكل الأقرب إلى المربع ، والأرضية المغطاة ببلاط الآجر الأصفر ، بينما تتوسطه بئر( بركة لتجميع ماء المطر ) لمياه الشرب ، يحوطها حاجز مبني بأبعاد ( 0.70 × 0.70 × 0.40 م ) ومغطى ببلاطة من الحجر ، يتم رفعها عند الحاجة لتخزيم المياه أو لاستخدامه

في زاوية الركن الجنوبي الشرقي للحوش يوجد ممر موزع ضيق ( مدربان ) يؤدي إلى حوش المعيشة ( الحرم ) من جهة الشمال الشرقي ، وإلى حوش المطبخ من جهة الجنوب الشرقي

يحوي حوش الديوانية على خمسة أعمدة ، أثنان منها بدون تاج ، وثلاث أعمدة بتاج ، كما ويحوي على إثنا عشر باباً خشبياً منها ستة أبواب لديوانية الرجال ، وبابين لغرفة تجهيز وإعداد القهوة وثلاثة أبواب لغرفة تخزين الأغذية واستضافة الزائرين وباب للحمام الخاص بضيوف الديوانية

                                                     

 

:( ثانياً : حوش المعيشة ( الحرم

يمثل حوش المعيشة المنزلة الوسطى مساحة حيث تقارب أطواله ( 10.40 م × 10.00 م ) وهو الأجمل والأكثر حيوية وحركة في ( المرسم الحر ) ، تحيط به وتطل عليه من جوانبه الأربعة شرفات مسقوفة ( لواوين ) رحبة محملة على أعمدة خشبية ذات مسقط على هيئة متعدد الأضلاع ، بينما يقتصر وجود الدعامات ( الأعمدة ) المبنية من الطوب على الأركان الأربعة . وترتفع أرضية اللواوين بدرجة واحدة ( عتبة ) عن مستوى أرضية ساحة الحوش ، علماً بأن أرضية الحوش وأرضية اللواوين مبلطة بالآجر الأصفر

ترتفع في وسط حوش الحرم شجرة ( كينا ) كبيرة تمثل الجزء الأكثر حميمية فيه ، حيث الظلال ونسمات الهواء وتغريد العصافير في مطلع لصباح وتوديعها في لحظات الغروب

توجد ثلاثة سلالم مبنية من الطوب تتوزع أركان الحوش ، تؤدي إلى السطح ، حيث الملجأ الأجمل والأرحب للنوم طوال امتداد فصل الصيف الحار

تطل على حوش الحرم ثماني حجرات أنيقة وفسيحة للنوم وواحدة منها لاستقبال النساء (غرفة المقعد ) ، وهذه الغرف ذات أسقف مرتفعة ، جهز معظمها بشرفات علوية داخلية للنوم

وألحق باثنين منها حمامات خاصة ، إضافة إلى حمام آخر خارجي يمكن استخدامه لعـموم أفراد الأسرة ، والذي يقع في منتصف الركن الجنوبي الغربي

يرتبط حوش الحرم من جهة الشمالي الشرقي بالعالم الخارجي عن طريق دهليز - ممر وبابين يعمل أحدهما كـ (رادة ) ، يؤدي إلى باب خارجي ، بينما تجدر ملاحظة أن جميع غرف النوم لا تحتوي على شبابيك تطل على الخارج ، مما يعد مؤشراً اجتماعياً للحياة المحافظة في البيت الكويتي القديم

الرادة : حاجز يمنع النظر إلى حوش الحرم ، تأكيداً لحرمة وخصوصية أهل المنزل

 

: ثالثاً : حوش المطبخ

يعتبر حوش المطبخ ، الحوش الأكبر مساحة ، حيث تقارب أبعاده ( 13.00 م × 13.00 م ) ويمكن الدخول إلى حوش المطبخ عن طريق منفذين ، الأول عبارة عن باب خارجي يقع في الركن الأيسر الأعلى من الجنوبي الغربي ، ويتصل الحوش بدهليز أكبر قليلاً من حيث المساحة مقارنة بباقي الدهاليز ، وثاني المنافذ إلى حوش المطبخ إنما يأتي عبر اتصاله بموزع ( مدربان ) يربطه بحوش الحرم وحوش الديوانية

لا توجد شرفات مسقوفة - لواوين تحيط بحوش المطبخ بل تطل عليه سبعة غرف ، إضافة إلى اتصاله بحوش الغنم والخيل والبقر والدواجن . وتتوزع الغرف السبعة في استخدامها بين غرف تخزين الأغذية ، وغرف الخدم وغرفة نوم واحدة ومطبخ صغير وكما هي الحال في كل من حوش الديوانية وحوش الحرم ، فإن أرضية حوش المطبخ من الآجر الأصفر

: رابعاً : حوش الغنم والبقر والخيل والدواجن

بالنظر إلى طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الكويتي القديم فترة ( الخمسينات وما قبل ) فلـقد كان حوش الغنم وكذلك الخيل والبقر والدواجن يحتل مكانه في كل بيت ، حيث تربى الأغنام وأحياناً البقر والحمير والخيل والدواجن ، ويختص راعي أغنام لكل حي ، يتولى عند طلعة كل فجر المرور على البيوت واقتياد الأغنام والبقر والخيل عبر الممرات الضـيقة والفرجان والخروج بها إلى المراعي الواقعة على أطراف المدينة ، ومن ثم العودة بها مساءً قبل الغروب .. ولقد كان الطريق الوحيد لاقتياد الأغنام إلى خارج البيت يمر عبر حوش المطبخ جهة الجنوب الشرقي

 

: الباسجيل

نوع من أعواد القصب يجلب من شرق أفريقيا ويشق جزئين أو أربعة ، كل جزء
عرض بوصة ونصف أو بوصتين                                                                          

يستعمل لتسقيف غرف المنازل ، يدق فوق الشندل على شكل متقاطع يبدو كالمربعات للزينة ويمنع الحصير الذي يوضع فوقه الطين – من النزول من بين الشندل – باسجيل تتألف من كلمتين( باص ) و ( جيل ) أو ( كيل ) والباص من البوص والكيل كلمة فارسية تعني الطين

: بواري

( حصير منسوج من شرائط القصب ويسميها البعض ( منقور

: الشندل

جذوع مستقيمة لأشجار تنبت في شرق أفريقيا تتخذ لتسقيف المنازل تقطع على طول حوالي ثلاثة أمتار متوسط محيطها حوالي قدم واحد .تقطع من الأدغال JUNGLE)) وهي أصل التسمية ، بعضه يقطع بواسطة الفؤوس ويسمى ( أبو طبر ) وبعضه يقطع بالمنشار ويسمى ( أبو منشاره ) وبعضه يسمى ( شندل لاموه ) لأنه يقطع من أدغال لاموه وهي مدينة في ساحل شرق أفريقيا شمال ممباسه من سواحل كينيا                                                    

                                                    

                                                                    

: المراجع

  • الموسوعة الكويتية المختصرة
    حمد محمد السعيدان – الطبعة الثانية 1981
  • العمارة التقليدية في الكويت وشمال الخليج
    رونالد لوكوك و زهرة فريث
    دليل إدارة الآثار والمتاحف
  • دراسة المحافظة على المباني التاريخية في الكويت – الجزء الأول مدينة
    الجزء الأول مدينة الكويت

                 

                 


ألبوم الصور