ندوة "الاعلام الجديد والازمات الثقافية" تواصل أعمالها لليوم الثاني

15 يناير, 2019

ندوة "الاعلام الجديد والازمات الثقافية" تواصل أعمالها لليوم الثاني وتناقش
تأثير الإعلام الجديد في تشكيل الرأي العام واقتصاديات الاعلام الرقمي الحر


واصلت الندوة الرئيسية لمهرجان القرين هذا العام "الاعلام الجديد والأزمات الثقافية" أعمالها لليوم الثاني والأخير، وبعد ان ناقشت في جلسات اليوم الاول المحورين الأول " الإعلام الجديد والشعبوية في المجتمعات العربية" والمحور الثاني تحت عنوان " الإعلام الجديد وتأثيراته على المجتمعات العربية"، واصلت الندوة جلساتها لليوم الثاني وناقشت المحاور الثلاثة المتبقية وهي، المحور الثالث: تأثير الإعلام الجديد في تشكيل الرأي العام" ثم المحور الرابع "اقتصاديات الإعلام الجديد" وأخيرا المحور الخامس "الاعلام الرقمي بين الديكتاتورية والديمقراطية".

وفي جلسة صباحية مطولة تخللها - استراحة- أدارتها د. غدير أسيري، تم مناقشة والاستماع الى 5 أوراق بحثيه تغطي المحورين الثالث والرابع فيما يتعلق بتشكيل الرأي العام واقتصاديات الإعلام الجديد.، وكانت البداية مع الكاتبة السودانية آن الصافي التي قدمت ورقة بعنوان تأثير الإعلام الجديد على تشكيل الرأي العام "
لتؤكد من خلالها على أن التواصل هو آلية التفاعل بين الفرد وذاته وما/ من حوله. وكما نعلم فإن بيئة التواصل عادة ما تحتوي على 3 أركان مهمة: المرسل والمستقبل، ونص التواصل وصيغته، وعوامل محيطة ببيئة التواصل. كل ذلك يتم في حلقة عبر عوامل ومعايير تتحكم في مدى نجاح إنشاء ووصول الرسالة وتحقيق الغرض منها.
وتضمنت الورقة على عدة محاور أهمها: تقنية تطبيقات الإعلام الجديد، وتقنية تطبيقات الإعلام الجديد من أين وإلى أين؟ وثقافة وآلية المستقبل الفردي والجمعي.، وكونية الإنسان والعقول خلف وأمام صناعة الإعلام الجديد، ومعايير الجودة في المحتوى والتقييم بين الفرد والمجتمع.

 

ومن الكويت تباحث د.علي دشتي حول التجهيل والعشوائية والتخطيط في الإعلام الجديد، ويمضي بالقول تاريخيا الإعلام التقليدي أو ما يسمى بالصحافة المحلية كان لها تأثير كبير في الرأي العام، وكان لها دور في تحديد الأولويات، أو ما تسمى Agenda Setting، هذا التأثير اليوم تحول إلى الفضاء بما يعرف بالإعلام الجديد أو شبكات التواصل الاجتماعي، بدأ الإعلام التقليدي يفقد هذا التأثير مع هبوط قراء الصحف ليكسب مستخدمي التواصل الاجتماعي وأصحاب البرامج الاجتماعية، مثل فيسبوك، والحكومات القوة للتأثير في الرأي العام؛ فمن مهنة متخصصة في كتابة الخبر وتحريره إلى عالم «الأخبار المفبركة» Fake News والأكاذيب والشائعات مما لها تأثير كبير في بلورة الرأي العام.
وتمحورت ورقته البحثية حول النقاط التالية:
- الإعلام الجديد وبعض الأرقام لمستخدمي تويتر وفيسبوك وإنستجرام في الوطن العربي والكويت.
- الإعلام التقليدي والإعلام الجديد أوجه التشابه والاختلاف.
- الإعلام والرأي العام نبذة تاريخية.
- الحكومات والإعلام التقليدي والإعلام الجديد.
- الأخبار المفبركة وكيفية معرفة الخبر الصحيح من المفبرك.
- ثقافة الخبر في الإعلام الجديد.
- قصص عن الأخبار المفبركة.
- دور الإعلام الجديد في الأزمات وكيفية تأثيرها على الرأي العام.

صناعة المعنى

وتحت عنوان " الإعلام والمغالطات المنطقية.. صناعة المعنى" بحث د. عيسى إدريس من الكويت، حول المغالطات المنطقية في العلام الجديد، إذ يقول: " إن معالم بيئة الإعلام الذي نعيش فيها تحدد ما نعرفه عن العالم، وتحدد بدرجة كبيرة فهمنا للواقع، كما أن الأشكال الجديدة للإعلام قسمت الجماهير، وجعلت استهلاك المادة الإعلامية يختلف على نطاق واسع عبر مختلف شرائح الجمهور، وأصبح الجمهور العريض الذي ميّز العصر الذهبي للتلفزيون شيئا من الماضي.
أمام جمهور متنوع وشره لاستهلاك الوجبات الإعلامية المتدفقة، تصبح معركة صنع المعنى (الرأي العام) معركة محتدمة ومستمرة، وهنا لا بد من التساؤل عن دور الجمهور نفسه في دعم هذه السطوة الإعلامية على الفضاء العام للمجتمع، تتناول هذه الورقة البحثية هذا الدور من خلال سؤالين، الأول: ما الآليات المعرفية والنفسية وكيفية «صنع المعاني»، وتشكيل المعتقدات والاتجاهات التي يُنشطها المحتوى الإعلامي في «عقل الجمهور»؛ للتمكن من «خداعه منطقيا»؟ وللإجابة عن هذا السؤال توضح الورقة أدوات تقديم المحتوى الإعلامي عبر وسائطه المتعددة كخطاب المشاعر والمغالطات المنطقية، وكيفية توظيف الإعلام لها بغية فرض محتوى معين، وخلق وهم بأن هذه الوسائط نفسها هي الفاعل والمصدر. ويتناول السؤال الثاني: أساليب كشف وتجنب المغالطات والحالات التي تصح فيها ولا تعود مغالطة، من خلال طرح التساؤل التالي: ما أشكال الوعي الذاتي (الحاسة النقدية) حيال «مصادر» المعلومات في البيئة الإعلامية الجديدة؛ من أجل تحقيق معرفة أعمق بتأثير الإعلام؟ ويبرز هنا مفهومي التفكير النقدي والرؤية الاستشرافية كفاعلية معرفية بشرية في مواجهة مغالطات الإعلام المتلاعبة بالمعلومات لصنع معان زائفة، وكيف نتجنب الوقوع في المغالطات التي نكشفها ونواجهها في الإعلام، ونرتكب ما يسمى بـ «مغالطة المغالطات»، أو نأخذ دور «حراس المعنى»؛ فالمعرفة بمهارات التفكير النقدي ليست كافية إذا لم يتبعها الاستخدام الصحيح لهذه المهارات.
وتلخص هذه الورقة أهمية دور الجمهور كفاعل في تشكيل مستقبل الإعلام؛ مما يجعل المعرفة الإعلامية الأساسية والنقدية في مقدمة المعارف الأساسية في البيت والمدرسة والمجتمع.

الأثر الثقافي
الأثر الثقافي للإعلام الجديد على المسرح نموذجا من التأثير على الجوانب الثقافية وقد بحث في هذه المسألة د. علي العنزي، وقدم ورقة بعنوان "المؤسسة المسرحية الخليجية والميديا" قرأ ملخصها على الندوة د. أيمن بكر، ويقول في ملخصها: لطالما أثيرت مسألة نقدية مسرحية مهمة، تركت من دون أن يجيب أحد عن معطياتها، وذلك حينما طُرح سؤالان جوهريان جديران بالاستحضار والتأمل في الدورة العاشرة لمهرجان الفرق المسرحية الأهلية الخليجية، مؤداهما: «هل يمكن قبول الحديث عن العولمة والفضائيات والانفجار المعلوماتي والعصرنة وتجليات التحديث كتحديات ينبغي على مسرحنا مواجهتها وهو لايزال غارقا في إشكاليات تفصل بينه وبين الغياب شعرة؟ ولماذا تراجع مسرحنا الخليجي [...] ليصبح في منطقة ضيقة وخانقة في زمن لهاثي اختراقي نووي في كل تفاصيل إيقاعاته الحياتية اليومية؟».
وإذا كان الأثر الثقافي للإعلام الجديد على المسرح، ومسائل موازية، كإشكاليات توظيف الـ Media في المسرح الخليجي (استخدام الشاشة السينمائية والنقل التلفزيوني للمسرح)، لم تكن - قطعا - مثار إشكال عربي فعلي، فإن هذه المحاولة المتواضعة، تأتي للنبش في حاضر ومقبل المسرح الخليجي في ضوء عالم افتراضي، وتبين حكم الحق في هذه الأسئلة والاستفهامات، التي لم نتبين للإجابة عنها أثرا، وذلك رغبة في الوقوف على ما يكتنزه محيطها من مفاهيم.

الأثر الفني
حول مدى تأثر الفنون بآلة الإعلام الجديد يتحدث حسن زكي من مصرن ويتناول "الإعلام الجديد وانهيار الذائقتين الموسيقية والتشكيلية" ويقول: إن الإعلام في صوره الثلاث: المقروءة والمسموعة والمرئية، مع شريحة عريضة من متعاطي هذا المنتج قد استطاع خلخلة القيم والموروث في أكثر المجتمعات تماسكا، من دون أن يميز في ذلك بين ريف وحضر، وحوَّل هذا القطاع غير الانتقائي إلى ببغاوات فكرية بحجة التماهي والاطلاع والانفتاح، كأنه حق أريد به ضياع.
فلم تكن ثورة الاتصالات التي لا يستطيع إنكارها عاقل في مصلحة من تعامل معها مذ عرفها بوصفها منتجا للاستهلاك؛ ظنا من مستهلك هذا المنتج العقلي أنه يقف بمحاذاة من أنتج وابتكر.
وبعد هذا الطرح البسيط، نستطيع تعيين بعض مواضع التلوث ومسبباته، وهي أشبه ما تكون بعلاقة المسافة باللون، فإذا عاش البصر في فضاء معتم حد السواد تساوى الملليمتر بالميل، وأصبح لا قيمة للمسافة، ولا جدوى من الحركة.
فالإعلام الجديد لكونه إعلاما موجها للاستهلاك في الأساس؛ فقد طغت فيه الحالة الرقمية والميكانيكية على الإبداع النابض، حين يستبدل فنان الخط العربي وعازف الإيقاع والأوركسترا وغيرهم بالحاسوب ومشتقاته، حتى معدو البرامج، وما يلزم مهنتهم من بحث، متتالية من الاستهلاك ومنتجه.

المحور الرابع: اقتصاديات الاعلام الجديد

في المحور الرابع وحول جدوى واقتصاديات الإعلام الجديد، بحث د. أسامة البحيري حول" العولمة الثقافية .. الفعل ورد الفعل" ويقول في مقدمة بحثه إن العولمة هي «محاولة مجتمع ما تعميم أنموذجه الثقافي على المجتمعات الأخرى، من خلال التأثير في المفاهيم الحضارية، والقيم الثقافية، والأنماط السلوكية لأفراد هذه المجتمعات بوسائل سياسية، واقتصادية، وثقافية، وإعلامية، وتقنية متعددة».
ويضيف .. لا شك في أن من خصائص هذا المجتمع المؤثر الذي يسعى إلى تصدير أنموذجه الثقافي وتعميمه أن يكون في دولة لها من الثقل السياسي والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي ما يؤهلها لأن تقوم بتصدير أنموذجها وتعميمه في غيرها من الدول.
ولعل مواجهة النمط الثقافي الأوحد الذي تسعى العولمة إلى فرضه على شعوب العالم تكون بالدعوة إلى نقضه، ومواجهته بنمط ثقافي يقوم على التنوع الخلاق الذي يحترم الخصوصيات الثقافية والهويات الحضارية.
ويسعى هذا البحث إلى دراسة تأثير العولمة على الثقافة العربية المعاصرة، ورصد تجلياتها، وردود الأفعال تجاه محاولة فرض النموذج الثقافي الغربي على العالم العربي.

الإعلام والحرية

وناب د. حامد الحمود عن أمجد منيف، من السعودية للحديث حول مقتطفات من بحثه بعنوان "اقتصاديات الإعلام الجديد وحدود الحرية" ، ويوضح في ملخص ورقته إلى إن التطورات المصاحبة لظهور الإعلام الجديد أحدثت طفرة هائلة في الاقتصاديات الحاكمة للإعلام التقليدي، وكذا الإعلام الجديد، أو الإلكتروني، كما يسميه البعض. وقد انطوت التأثيرات التي طالت الإعلام الجديد، بسبب الطفرة التقنية، على كل الجوانب الاقتصادية المتصلة بتلك العملية، فكان لها تأثير إيجابي في اقتصاديات المؤسسات الإعلامية.
وقد شملت تلك التأثيرات كلا من عمليات الإنتاج والتسويق والتوزيع الإعلامي والاتصال بين المنتجين والمستهلكين، وقد انعكس ذلك على حدود الحرية في التفاعل بين المنتجين والمستهلكين، شكلا ومضمونا. ونشأت على هامش تلك العملية كثير من الفرص المتاحة أمام الشركات العاملة في البيئة الإعلامية، الأمر الذي ينتهي بدوره إلى خلق واقع جديد على السوق الإعلامي العالمي، ممثلا في الهيمنة الرأسمالية، ذلك أن كبرى الشركات والكيانات الاقتصادية تنتمي إلى العالم الغربي الرأسمالي بالأساس، ما جعل جوانب تلك الهيمنة الرأسمالية أحد المحددات الرئيسة لمضمون الرسالة الإعلامية.

اقتصاديات الإعلام
وحول (اقتصاديات الإعلام الجديد وتأثيراتها على الواقع العربي في حدود الحرية) بحث د. طارق فايق من دولة فلسطين، ولتعذر حضوره قرا ورقته وناقش مقتطفات منها عامر التميمي من الكويت، وتتحدث الورقة حول أن أبرز التحولات المهمة التي عرفتها البشرية، في العقد الأخير، هو الإعلام الجديد، وما يحمله من خصائص ومميزات لم تعرف من قبل عن الإعلام التقليدي، حملت في طياتها تغيرات جوهرية مست البنى الاجتماعية، ونتجت عنها تغيرات ثقافية كان من الصعب في السابق اختراقها أو تغييرها، حيث استقبلت كثير من المجتمعات - بفعل هذا الإعلام الجديد - قيما ثقافية بعضها مخالف لقيمها الثقافية المحلية.
تعتبر وسائل الإعلام الجديدة هي الداعم الأساسي لكثير من الاقتصاديات في العالم، ومن جهة ثانية فإن الإعلام نفسه قد أصبح صناعة متكاملة في عصرنا الحاضر مثلها مثل الصناعات الأخرى، وهذا يتأتى بسبب قدرة وسائل الاتصال على التأثير في حركة المجتمع بما تمتلكه من إمكانات تقنية ونفوذ واسع مكناها لأن تكون سلطة لها دورها السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.
ويرى بعض الباحثين أن انتشار وسائل الإعلام الجديدة والصفحات الإلكترونية أحدث انقلابا في التوازنات الاقتصادية التي بنت عليها الصحافة العالمية عموما على صعد متعددة، منها على صعيد التمويل، وعلى صعيد عولمة الإعلام بأشكاله المختلفة، وأيضا الاختراق الثقافي، وعلى عمليات التنمية والتحول الديموقراطي في المجتمعات الناشئة، ومن أكثر البلدان الذي تعرضت لتلك هي الشعوب العربية والأنظمة أيضا.

 

//
تغطية الجلسة المسائية // اليو الأول

//

في الجلسة المسائية من أعمال اليوم الأول لندوة مهرجان القرين الثقافي، ناقش المنتدون المحور الثاني من محاور الندوة تحت عنوان " الإعلام الجديد وتأثيراته على المجتمع في البلدان العربية، مستعرضين تجارب من مصر والمغرب والسعودية.
أما حالة المغرب فتصدى لها الباحث عمر بنعياش، عبر ورقة بحثية بعنوان " الإعلام الجديد وتأثيراته في المجتمعات العربية" خلال جلسة مسائية أدارها أنور الرواس، وشاركه الحديث خلالها مستعرضا التجربة المصرية ليلى النقيب، ومن السعودية د. محمد حبيبي... وبعد استراحة قصيرة ، تناولت د. بيبي العجمي التجربة الكويتية وتأثير الإعلام الجديد فيها، وحول الإعلام بين التشريع والثقافة ، قدم د. عبدالحسين شعبان بحث د. سليمان عبدالمنعم نظرا لاعتذاره، ودارت نقاشات وأسئلة وملاحظات كثيرة في ختام الجلسات ن تفتح آفاقا رحبا للنقاش وتجاذب الحوار حول آلة العصر الجديد المتطورة بشكل مذهل والتي تحمل شفرتين حادتين في تأثيرهما الايجابي أو السلبي .
يقول د.عمر بنعياش في ملخ ورقته البحثية: عرف المغرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين ثلاث انتقالات كبرى؛ الانتقال السياسي من دولة مستعمَرة (بفتح الميم) إلى دولة مستقلة (حدث ذلك في العام 1956)، والانتقال الديموغرافي الكبير الدي جعل سكان المغرب يتضاعفون ثلاث مرات بين العامين 1960 و2014 من حوالي 11 مليون نسمة إلى أزيد من 33 مليونا. وشهد المغرب على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين استقرارا سياسيا مشوبا ببعض الأزمات بين نظام الملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله، والمعارضة السياسية، والذي تُوج في العام 1998 بما سمي بالتناوب التوافقي وتحمل المعارضة الاشتراكية مسؤوليتها في تدبير الشأن العام، والذي يعتبره بعض المحللين انتقالا ثقافيا وسياسيا مهما.
وعرف المغرب في العقدين الأولين من الألفية الثالثة انتقالا كبيرا آخر تجلى في تحول الثقل الديموغرافي من البوادي إلى الحواضر، بحيث أصبح جل سكان المغرب يعيشون في المدن. ويبقى الانتقال الأكبر والأهم الذي شهده المغرب على الإطلاق هو الانتقال الرقمي، والذي يندرج فيه موضوعنا الموسوم بـ «الإعلام الجديد» وتأثيراته في المجتمع المغربي.
تعني كلمة «جديد» في الإعلام: الانتقال كليا أو جزئيا من وضع إعلامي قديم إلى وضع آخر جديد، مع ما يستتبعه هذا الانتقال من تأثير في سلوكيات الأفراد والجماعات وأفكارهم وتمثيلاتهم لأوضاعهم وأنفسهم وللغير.
وكما لا يخفى، فإن هذا الانتقال ينبثق من وضع «حداثي» شمولي معولم، تقترحه المجتمعات المتقدمة والحضارات المتطورة على بقية المجموعات البشرية بشكل تتضاءل معه كل الحواجز والحدود. وانطلاقا من ذلك، فإن السؤال الذي تتغيا هذه المساهمة الجواب عنه هو المتعلق أولا بعرض للمشهد الإعلامي المغربي في مختلف جوانبه وتمظهراته من جهة، ومدى تغلغل هذا الإعلام في البنية المجتمعية للمغرب ومدى تأثيره في ثقافة المجتمع وسلوكيات أفراده من جهة ثانية.


التوسع والانحسار

وتحت عنوان " الإعلام الجديد بين التوسع والانحسار " تناولت د. ليلى النقيب الحالة المصرية في ورقتها التي تناولت أيضا التطورات التي حدثت في الإعلام المصري خلال العقدين الأخيرين. كان التركيز على الإعلام المرئي والمسموع؛ لارتباطه بمجال خبرتي العملية.
وتشير الى أن ما يشبه الطفرة حدثت في مجال الإعلام المرئي والمسموع خلال العقدين الماضيين تتصل باتساع الحدود التي يُسمح فيها بالتغطية الإعلامية من جانب، وبالاختلاف الذي حدث في محتوى الإعلام المسموع تحديدا في توجهه إلى شرائح أوسع من الناس، على عكس الشائع من أن الإعلام المسموع ينحسر ويضعف أثره.
وتناولت الورقة أثر الأحداث السياسية والمحلية والإقليمية على المادة الإعلامية، خصوصا بعد ثورات الربيع العربي، وما تلاها؛ إذ أخذ الإعلام يرتدي ثوبا أكثر تحررا؛ خصوصا الفضائيات التي أصبحت أقرب إلى الناس وأكثر تعبيرا عنهم، كما أصبحت البرامج تستقبل كل الآراء. ولأول مرة أصبح التلفزيون يعبر عن حالة حرية فيها كثير من التنوع والأفكار، سواء المتحررة أو المتشددة، أو لنقل المختلفة عن المألوف بصورة عامة، في مزج سيمفوني جديد على ما ألفه الشعب المصري الذي تميز إعلامه لفترات طويلة بمحاولة الحياد، وتجنب الخوض في مناقشات سياسية أو دينية.
لكن تطورات الأحداث، بعد ذلك، أدت إلى تراجع في مستوى التنوع الإعلامي المرئي والمسموع، وانتقل مركز الثقل إلى وسائل الإعلام الجديدة المتمثلة في السوشيال ميديا، التي تعد أكثر واقعية، وتسعى إلى التعبير عن النبض العام بشكل أكبر من الوسائل الأخرى، مثل الفضائيات والجرائد، لأنه يصعب التحكم فيها بنفس سهولة التحكم في الإعلام المرئي والمسموع، على الرغم مما لهذه الوسائل من مساوئ، منها الشائعات وتضخيم الأحداث.


المجتمع السعودي

وتناول د. محمد حبيبي أثر الإعلام الجديد في المجتمع السعودي، في ورقة تحت نفس العنوان يقول في ملخصها: "ما من شك في أن الإعلام الجديد، بكل تقنياته ومنصاته، يعد أكثر الظواهر المؤثرة - إلى حد كبير - فيما شهده ويشهده المجتمع السعودي من تحولات وانفتاح كبيرين يكادان يساويان، في حقبة السنوات العشر الأخيرة، كل ما مر به المجتمع السعودي من تحولات منذ توحيد المملكة العربية السعودية؛ ذلك أن المجتمع السعودي يعد من أكثر المجتمعات تفاعلا مع وسائل الاتصال الحديثة، كما أنه من أكثر المجتمعات سرعة في التأقلم مع هذه الوسائل. ولا نكون مبالغين إن قلنا إن المجتمع السعودي يشهد في وقتنا الراهن أوسع جملة من التغيرات نتيجة حالة الانفتاح الكبير على التقنيات الرقمية الحديثة.
وتبدي الأعداد الكبيرة للمتفاعلين في المجتمع السعودي مع وسائل الإعلام الجديد - وفق ما تظهره الأرقام والإحصائيات - تزايدا كبيرا يشكل في تناميه وتضاعف أعداده، خلال أقل من عقد من السنوات، ظاهرة جديرة بالدراسة في حد ذاتها. إذ تشير الدراسات المختصة في هذا الشأن، من حيث الأرقام والإحصائيات، إلى تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت في السعودية 14 مليون مستخدم للهواتف الذكية ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي، وذلك في بدايات العام 2012. وهذا وقت يعد مبكرا لم تكن فيه بعض وسائل ومنصات التواصل قد أخذت مكانتها الكبيرة في الانتشار والذيوع بين جميع شرائح المجتمع. ولم يكن المجتمع قد حسم أمره فيما يتعلق بالتحول عن عادات تلقي المعلومة والخبر والمعرفة من وسائل الإعلام التقليدية الضاربة بجذورها منذ بدايات ظهور الصحافة والتلفزة وغيرها من الوسائل الإعلامية التقليدية. إلى جانب أن الأجهزة الذكية نفسها، ومنصات التواصل الاجتماعي، لم تكن مع بدايات العام 2012 على ما هي عليه اليوم من تطور كبير في تقنياتها وخدماتها.
من هنا تأتي هذه الورقة للوقوف على آخر وأبرز تجليات تأثير الإعلام الجديد وشبكات التواصل على المجتمع السعودي، وأهم آثارها في تشكيل الرأي العام وطرح قضايا المجتمع، وتشكل الأساليب والعادات الجديدة في تلقي المعلومة والخبر، وفي طريقة تفاعله مع محيطيه الداخلي والخارجي.

المعلوماتية المجتمعية
من جانبها تحدثت د. بيبي العجمي في معرض حديثها عن الكويت ومدى تأثرها بالإعلام بالجديد، تحدثت عن ( المعلوماتية المجتمعية: نظرة جديدة لأبحاث الإعلام الجديد وتأثيراته على المجتمع) وكان هذا عنوان ورقتها التي استعرضت من خلالها الحالة الكويتية في المشهد العربي ومدى تأثر المجتمعات بالإعلام الجديد وأدواته.، تقول النقيب في ملخص بحثها: " تعرف المعلوماتية المجتمعية Social Informatics على أنها تلك المجالات البحثية التي تبحث في تصميم واستخدام ونتائج تطبيقات تقنيات المعلومات والاتصال بشكل يأخذ بعين الاعتبار تفاعل تلك المنصات والتقنيات مع السياق المؤسسي والمجتمعي والثقافي. وتستمد هذه الدراسة أهميتها باستعراض الأبحاث التقنية والتحليلية والنقدية المنشورة خلال الـ 25 عاما الماضية. ومع توافر الفرص لاستخدام منصات الإعلام الجديد لخدمة المجتمعات، تطرح التساؤلات عن ماهية الأبحاث التي اعتمدتها المجتمعات الأكاديمية لفهم التغيرات المجتمعية، وما المفاهيم الجديدة التي طرحتها التطورات الهائلة في مجالات الإعلام الجديد.
تعتمد الدراسة على منهجية التحليل الببليوغرافي Bibliometrics Analysis كمنهجية علمية معتمدة في مجال دراسات المعلومات، وتقدم الدراسة مقارنة علمية عن وضع مجتمعات الأبحاث العربية ومقارنتها مع المجتمعات الغربية، بالإضافة إلى استعراض بعض نتائج دراسات سابقة عن المفاهيم الحديثة في أبحاث المعلوماتية المجتمعية وتأثير الإعلام الجديد في المجتمعات العربية.


الظواهر الذكية

الدكتور سليمان عبدالمنعم كان قد أعد ورقة بحثية بعنوان " الظواهر الذكية تحتاج إلى تشريعات ذكية الأمن السيبراني مثالا" ، ونظرا لتعذر حضوره قام دز عبدالحسين شعبان بإلقاء ملخص البحص والرد على المتداخلين.، ويقول ملخص البحث: مثل كل اختراع بشري ثوري وكبیر كشبكة المعلومات الدولیة (إنترنت)، كان لا بد للعالم أن یدفع ثمن تطوره. حدث هذا من قبل حین اخترع الإنسان السیارة، والطائرة، واكتشف الطاقة النوویة، وتوصل إلى أسرار «الشیفرة» الجینیة الوراثیة؛ فكانت المخاطر والأضرار الناشئة عن سوء استخدام هذه الاختراعات والمنجزات جزءا من ضریبة الذكاء الإنساني. ولهذا، كان لا بد من تنظیم استخدام هذه المنجزات العلمیة وحظر التجاوزات والاستخدامات غیر المشروعة لها. والقانون هو إحدى أدوات هذا التنظیم، بل لعله أهمها. بالطبع لم یخل الأمر، ولایزال، من صعوبات وتعقیدات في التنظیم القانوني لهذه الظواهر لاسیما فیما یتعلق بشبكة المعلومات الدولیة (إنترنت) باعتبارها المنجز البشري الأكثر إثارة للجدل في الوقت الحاضر.
في البدایة كان الترحیب هائلا والفرحة عارمة؛ فقد جاءت شبكة الإنترنت لتؤذن بالسقوط النهائي للحدود والحواجز الجغرافیة واللغویة والسیاسیة بین البشر، وتجعل من حق الإنسان في المعرفة، وحریة إبداء الرأي والتعبیر، والحق في الحصول على المعلومات وتداولها حقوقا عالمیة تستعصي على الحرمان والتقیید المحلیین. كانت المكاسب الإنسانیة هائلة لاسیما بالنسبة إلى الشعوب الفقیرة التي كان الفرد فیها یشق للحصول على كتاب جدید أو روایة عالمیة أو معلومة أو إحصائیة أو مشاهدة فیلم هولیوودي أو فرنسي، أو الاستماع بیسر وسهولة إلى تراث موسیقي لبتهوفن أو موتسارت فأصبحت شبكة إنترنت تتیح كل هذا وأكثر منه، بل وأصبح بوسع أي شاب متابعة برامج تعلیمیة وتدریبیة في مختلف المجالات، والحصول أحیانا على شهادة إلكترونیة معتمدة.
سرعان ما اكتشفت البشریة أن هذه العوالم الواسعة الرحیبة للفضاء الإلكتروني تنطوي في الوقت ذاته على مخاطر وأضرار، بقدر ما تقدمه من فرص وآفاق. فبفضل شبكة إنترنت أصبح في مقدور البشر، على اختلاف أماكنهم ولغاتهم وألوانهم وأعراقهم، كأنهم في غرفة واحدة (بل هم بالفعل داخل غرفة واحدة افتراضیة) یتواصلون ویفكرون ویتداولون المعلومات ویعبرون عن آرائهم، ویبیعون ویشترون لكنهم في الوقت ذاته، ومن خلال إمكانات وتقنیات هذا التواصل الفضائي الإلكتروني، أصبحوا یحرضون على العنف، ویخططون للقتل، ویسرقون، ویحتالون، ویسطون على الحسابات المصرفیة، وینتهكون الخصوصیات، ویزورون الوثائق، ویدمرون المرافق والبني الأساسیة الإلكترونیة للدول، ویتلاعبون بنتائج الانتخابات، ویتاجرون بالبشر، لاسیما النساء والأطفال... إلخ. كل هذا وغیره أصبح یتم من خلال فضاء إلكتروني فسیح بامتداد الكرة الأرضیة، والأخطر أنه لا یمكن تحدید هویة مرتكبي هذه الأفعال إلا بجهد أمني خارق. أفعال شبحیة یرتكبها أشباح. وشركات إنترنت عملاقة تطلق المنصة الإلكترونیة تلو المنصة، وهي تتشبث بخصوصیة وسریة هویة المشتركین فیها.
وسط كل هذا بدا ضروریا وملحا وجود تنظیم قانوني لكل هذه الظواهر التي تتجلى إحداها في «الإعلام الإلكتروني» الذي اصطلح على تسمیته بـ «الإعلام الجدید»، فالسمة العامة لهذا الإعلام الإلكتروني الجدید أنه یستعصي على التنظیم القانوني السائد الذي صدر أساسا لتنظیم الإعلام التقلیدي المكتوب والمرئي والمسموع، وبالتالي أصبح مطلوبا وجود تنظیم قانوني جدید بقدر جدة الإعلام الإلكتروني، وذكي بقدر ذكائه؛ حتى یستطیع أن یعكس خصوصیته. ولعل الإشكالیة الأساسیة التي یثیرها التنظیم القانوني لهذا الإعلام الجدید أن كل ما یعد استخداما لحق في إطار هذا الإعلام ینطوي في الوقت ذاته على إمكان ارتكاب جریمة. فممارسة حریات الرأي والتعبیر، وهي حق أصیل من حقوق الإنسان، قد تشكل حال التجاوز في ممارستها جریمة تحریض على العنف أو الإرهاب، أو جریمة تمییز عنصري، أو جریمة انتهاك خصوصیة الغیر. وممارسة حق المعرفة والحصول على المعلومات وتداولها، وهي حقوق تكرسها المواثیق الدولیة منذ زمن، وتنص علیها كثیر من التشریعات المحلیة قد ینطوي استخدامها على ارتكاب جریمة إفشاء الأسرار، أو الإضرار بالمصالح العلیا لدولة من الدول... وهكذا.