الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الخامسة والعشرين

15 يناير, 2019

انطلاق أعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الخامسة والعشرين
( الإعلام الجديد والازمات الثقافية )

 


انطلقت أعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الخامسة والعشرين تحت عنوان (الإعلام الجديد والازمات الثقافية )، بحضور الامين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب م. علي اليوحة، والأمين المساعد لقطاع الثقافة د. عيسى الأنصاري، وعدد كبير من المفكرين والباحثين المشاركون في الندوة وضيوف المهرجان ، ووسائل الاعلام المختلفة.
في البداية ألقى الامين العام كلمة رحب فيها بضيوف الكويت والمشاركين في انشظة وفعاليات مهرجان القرين الثقافي، ثم ألقى الضوء على مسيرة "القرين" في يوبيله الماسي، وعن أنشطة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وخاصة الإصدارات التي حصلت على جائزة الشيخ زايد للكتاب كأفضل الكتب العربية.
ومضى اليوحة في كلمته قائلا: أرحب أجمل ترحيب بكم جميعا، سواء من لبى دعوتنا وشرفنا بحضوره من خارج الكويت، أو من شاركنا الحضور من الإخوة والزملاء في الكويت.
اليوم لدينا مناسبة خاصة.. هي الاحتفال بمرور ربع قرن على بدء مشروع مهرجان القرين الثقافي، وهو مشروع يمثل عرسا ثقافيا يستمر ثلاثة أسابيع من كل عام، تتضاعف فيه الجهود من أجل وضع برنامج ثقافي مميز وكثيف بغية إشاعة ثقافة مبدعة ومتسامحة وخلاقة، وعلى مر هذه السنوات حضر إلى الكويت من جهة وشارك من جهة أخرى مئات من الكتَّاب والفنانين والروائين والنحاتين والمؤرخين والمثقفين والموسيقيين وغيرهم من أهل الثقافة بمعناها الواسع والشامل، جميعهم شاركوا على مدى ربع قرن في هذه التظاهرة الثقافية المميزة. وهذه الندوة هي جزء من مشروع القرين الثقافي، كما أنها علامة مميزة دائما في صلب هذا المشروع ونسميها «ندوة القرين الثقافية».. هذا المشروع الثقافي الثري هو واحد من جملة مشاريع المجلس الوطني المختلفة والمتعددة طوال العام، بما فيها فصل الصيف، الذي يوفر فيه المجلس نشاطات ثقافية متنوعة لأبنائنا الشباب.. بجانب إصدارات المجلس المتنوع (والتي تشاهدون عينات منها خارج هذه القاعة).

الإخوة الحضور الكرام
كل ذلك الجهد الوافد والكبير هو بفضل وضع اجتماعي وسياسي مزدهر في الكويت، بحيث يحتضن التعددية وترعاه القيادة السياسية المستنيرة وعلى رأسها حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد (حفظه الله) وسمو ولي عهده، كما لا تتأخر الحكومة عن تذليل العقبات لإنجاح هذا الجهد. واستجابة للرأي المستنير والرؤية الحكيمة لصاحب السمو الأمير فقد أقيمت في الكويت في السنوات الأخيرة مجموعة من المنشآت الثقافية منها مركز جابر الأحمد الثقافي المميز في مظهره المعماري وفي برامجه الإبداعية، ومنها أيضا مركز عبدالله السالم الثقافي، وكلاهما يمثل معلما مميزا من معالم الكويت اليوم، وأتمنى أن تتاح الفرصة لمن يرغب منكم في زيارة هذين المعلمين الكبيرين. ويتعين علي في هذه المناسبة أن أنوه بأن الجهد الثقافي في الكويت يلقى دعما كبيرا من دار الآثار الإسلامية التي ترعى – في مركزين مختلفين – عددا كبيرا من النشاطات الثقافية المميزة والثرية على مدار العام، تعزيزا للمشهد الثقافي ورفعا للوعي الاجتماعي والفني للجمهور بكل شرائحه.. إلى جانب الجهود الكبيرة التي يبذلها القطاع الخاص في الكويت، مقدما عددا من النشاطات التي تمثل إثراءً للعمل الثقافي، وهذه كلها مراكز تنويرية تتجاوز نشاطاتها دولة الكويت إلى خارج حدودها، لتمتد آثارها إلى محيطها العربي بكل ربوعه.

الإخوة الحضور
ندوتكم اليوم هي إكمال من نوع ما لعدد من الندوات حول هذا الكم الكبير والمؤثر، والذي يعرف بالثورة التقنية وتأثيرها في الثقافة.. وقد عقدنا في العام الماضي والذي قبله ندوات فكرية تقارب هذا العنوان الكبير، عدا أن ندوة القرين عالجت الكثير من القضايا الفكرية التي أصبحت اليوم متوافرة ومطبوعة في كتب يسعدنا في المجلس أن نوفرها لمن يرغب، وهي موضوعات أثرت ولاتزال تثري الساحة الثقافة بعمق وتجرد.
أرحب بكم من جديد في بلدكم الثاني الكويت، وأقدم الشكر للأخ منسق الندوة واللجنة التحضيرية والزملاء والزميلات الذين جعلوا هذا اللقاء ممكنا، فلهم جميعا الشكر.. وهو موصول لكل من شرفنا هذا اليوم.

منسق الندوة
الندوة الرئيسية – مهرجان القرين الثقافي الـ 25
الإعلام الجديد والأزمات الثقافية
14 – 15 يناير 2019
كلمة
ومن جانبه ألقى منسق الندوة د. محمد الرميحي ، رحب فيها هو الآخر بالضيوف وقال: أرحب بالأخوات والأخوة وهم زميلات وزملاء أعزاء في الكويت، في الموسم الخامس والعشرون لمهرجان القرين الثقافي المتنوع النشاط ومنه هذه الندوة.
كما أن الشكر موصول إلى السيد الأمين العام وإلى اللجنة التحضيرية وفريق الإعداد من منتسبي المجلس الوطني الذين كان لجهدهم خلف الستار الأثر الكبير في التئام هذه الندوة.
وأتمنى لمن تفضل من الزميلات والزملاء بالقدوم إلينا وقتا ممتع ونشاطا ثقافيا مثمر كما أرجو لمن تفضل بالحضور من الكويت أن تكون هذه السويعات فيها إضافة لمخزون ثقافي ثري.
غني عن البيان أن كل ندوات القرين الثقافية، هي الآن موجودة في مطبوعات، وآخرها متوفر للجميع «اقتصاديات الثقافة وتنمية المعرفة» مع عدد من العناوين ذات الثقل الثقافي الوازن.
مفهوم الإعلام الجديد معنا منذ فترة، وربما منذ ظهور وانتشار البث الفضائي في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وقد تطور هذا المفهوم مع الثورة الرقمية، بل أصبح الإعلام الديم يعتمد على تدفقات الإعلام الجديد ويستخدم وسائله!
ومنذ ذلك التاريخ ووسائل ذلك الإعلام تتطور وتؤثر (سلبا أو إيجابا) على تشكيل المجتمعات ثقافيا، وتُنشط التفاعل بين الأفراد والجماعات والمجاميع، على مستوى رأسي، ولكن الأكثر على مستوى أفقي، مام أثر تأثيرا عميقا على التشكيل الثقافي والمعلوماتي والسلوكي للنسيج الاجتماعي العربي.
اليوم تجتاح العالم ثورتان، ثورة التقنية البيولوجية، وثورة تقنية الاتصال، وكلاهما سوف يؤثران في تشكيل العقل البشري بعمق ولفترة طويلة قادمة، ومنه نحن العرب.
ولأن المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب في الكويت، مهتم بتنمية الشأن الثقافي داخل الكويت، وعلى النطاق العربي، فإن ندوة القرين هذا العام قد خصصت من أجل بحث معمق في «تأثير الثورة التقنية في الاتصالات» على الثقافة بشكل عام من أكثر من زاوية سوف تتناولها الأوراق والمناقشات.
لقد مهدت ثورة التقنية كي يتطور (الإعلام الجديد) تطورا أثر في حياة الناس، شعوبا وأفراد ودول، وأصبحت تلك المنصات الجديدة، مكانا لما يكن أن يسمى (ساحة حرب) قائمة على قدم وساق، فهي تحمل معلومات وأخبار وتحليلات، كما تحمل من الإشاعات ومن الآراء السلبية ومن الأخبار الكاذبة، ما بدأت الحكومات والشعوب تضيق به من جه، كما أصبح ساحة للمهضومين (أو من يظنوا كذلك) لإحياء أو تغذية عناصر عدم الاستقرار في الأنظمة السياسية والاجتماعية.
كما تحمل من المخاطر على الأمن القومي للكثير من الدول، مما أوجد جوا ينشر من (الرقابة والمنع) وهي خطوات تواجه المقاومة والنقاش الساخن.
الأمر إذا جد خطير. نحن أمام معادلة، بين أن يتاح للجمهور أن يُسمع رأيه ويؤثر في محيطه، ويشكو مخاوفه، وبين أن ينشر بين الناس الغث والضار ويشيع التجهيل والخرافة والتشويه ويؤسس لعدم الاستقرار.
بين استعادة إدراكنا للزمان والمكان والوسائل، بين عالم مسطح (على رأي فريدمان) ومجتمع مسطح تقع مناقشات هذه الندوة.
نحن أمام معادلة اجتماعية جديدة وهي (الحتمية الرقمية) والمعادلة هي صلب نقاشات الندوة هذا العام، وسوف تضع أمامنا أهمية تدارس خطورة ما يعرف بـ «الشعبوية» الاتصالية التي اعتمدتها الكثر من المؤسسات والأشخاص المهتمين بتكبيل أو تكتيل الرأي العام، بل وحتى ابتزازه، ما مدى الأضرار (أو الفوائد) من هذه الحتمية الرقمية ولكن الأهم، كيف نعظم الفوائد ونحاصر الأضرار، مع قياس مستوى وعوامل المناعة المجتمعية من الحتمية الرقمية (إن وجدت) في فضائنا العربي؟
نحن أمام مجتمع واحد بسبب هذه الحتمية الرقمية، من (خلق مجتمع المتظاهرين) إلى هروب الفتيان والفتيات إلى ترويج المخدرات (كل تلك الأحداث بسبب التشبيك الرقمي).
وتتفرع مجالات المناقشة، لفهم تقنيات تشكيل الرأي العام، والتفاعل بين المجتمع وثوابته، وبين القيم القديمة والقيم الجديدة التي يروج لها الإعلام الرقمي (الجديد) كما سوف ينظر لقاؤنا هذا مدى عمق تأثير هذه التقنيات على الاقتصاد المحلي والإقليمي. وفي خلق (أيقونات) مليونية وفاشنستات، وما إذا كان هناك (قيمة مضافة) في كل ذلك! وهل هي نابعة من قدرتنا أم هي تابعة للغير. مقلدون لا مبتكرون.
إننا أيها الأخوة في عصر (يرتدي فيه الشر أقنعة جديدة)! تلك هي مساحة النقاش.
وسوف يقوم المجلس بتسجيل مناقشات الندوة، ويضمها مع الأوراق البحثية التي كتبها نخبة متخصصة، كي تصدر في كتاب لاحق يضاف إلى الإصدارات المميزة والخاصة التي انطلقت من ندوة القرين الثقافية على امتداد ربع قرن.
أتمنى للجميع وقتا طيبا وإقامة سعيدة، وتشبكيا ثقافيا ناجاحا.
كما أشكر الزملاء في اللجنة التحضيرية للندوة والزميلات والزملاء في عائلة المجلس الوطني الكريمة الذين سهلوا وتابعوا العمل في الأشهر الأخيرة حتى نصل إلى هذا الصباح الجميل.

الجدول الزمني
وبعد إلقاء الكلمات الرسمية والترحيب بالضيوف، بدأ الجدول الزمني للندوة كما هو معلن ، بمناقشة ثلاثة أورق بحثية مقدمة من د وائل فاروق من مصر، وسيد عبدالله من مصر أيضا ، ووليد علاء الدين من الإمارات، في جلسة أدارها الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي الأسبق عبدالله بشارة ، ثم امتدت الجلسة بعد استراحة قصيرة لتشمل الاستماع الى الباحثين: د. عمار علي حسن من مصر، ود. ابراهير البعيز من السعودية.
البداية كانت مع وائل فاروق الذي قدم ورقة بحثية مطولة بعنوان "ديموقراطية العدم: إعلام ما بعد الحداثة بين الواقعي والافتراضي" ، ويمضي في مدخلها قائلا : الواقع الجديد: تكنولوجيا بلا هوية نسعى لإضفاء شخصيتنا عليها، وتراث مازال يمثل العامل الحاسم في إدراك وصياغة هويتنا، حيث نعيش حالة من اللاتناغم بين فضاءات متباينة ننتمي لها بالدرجة نفسها ولكن من دون وعي حقيقي يجمع هذه الانتماءات في سياقها الإنساني الواحد، حالة من الالتباس الذي يصعب فضه بين هذه العوالم والذي يجعلنا في النهاية عالقين في الحيرة – كهذا الشاب – أمام كل التقاطعات الممكنة بين هذه الفضاءات.
ويقول: إن أول أسباب الحيرة في رأيي هو الانطلاق من فرضية التقابل بين الواقعي والافتراضي، والنظر إلى الافتراضي كبديل أو محاكاة أو اقطاع أو عامل تدمير للواقع، وهو ما يظهر جليا في كل محاولات توصيفه، كما نرى في هذه التقابلات القائمة في تعريف الافتراضي، يقول د. أحمد زايد: «المتعارف عليه أن الجماعة الاجتماعية مجموعة من الأفراد تجمع بينهم قيم مشتركة وشعور بالانتماء يعيشون في بيئة جغرافية مكانية واحدة تحكمهم قيم وأعراف يجتمعون عليها ويتفقون فيما بينهم على وسائل الردع وقواعد الضبط الاجتماعي التي تحكم ما يحدث بينهم من علاقات، ولكن الإنترنت ساهم في تشكيل علاقات تتجاوز الإطار الفيزيقي المكاني وتفاعل الوجه بالوجه وشكل مستخدموه وخاصة الذين يجمع بينهم اهتمامات مشتركة مجتمعا يطلق عليه المجتمع الافتراضي»
وعن ملامح الجديد من الإعلام والمتلقين يقول فاروق: لقد وفرت تكنولوجيا الهندسة الوراثية للإنسان دون حتى تنهيدة أو نظرة دافئة أن ينجب طفلا دون أي تواصل جسدي، دون أي علاقة مع إنسان آخر يمكن «إنتاج» طفل تختار شكله ومواهبه حتى يتسنى لك أن «تستهلكه» كما تشاء بعيدا عن التورط في علاقة أو تجربة «مشاعر» تفرض الاتصال مع الآخرين كالحب والأبوة وغيرهما.
لقد خلقت التكنولوجيا لدى الإنسان هوس الانفصال عن الآخر. إن التطور المذهل في تكنولوجيا الاتصال الذي حول العالم إلى قرية صغيرة، جعل التواصل الإنساني لا يتم إلا عبر «وسائط» أو بتعبير أدق «حواجز» خلخلت العلاقات الإنسانية المؤسسة على التواصل الجسدي والخبرة المباشرة، وكل ما نشأ حولها من ثقافة وقيم وممارسات.
كيف يُقيّم فيسبوك
وتحت عنوان كيف يُقيّم فيسبوك «نقديا» مستخدميه؟ يقول الباحث: يستخدم أكثر من مليار إنسان الفيسبوك ليتشاركوا فيما يعيشونه، في حياتهم، وعلى الرغم من ذلك فالفيسبوك هو أكبر مقبرة في التاريخ أو بتعبير أدق هو أكبر نصب تذكاري عرفته الإنسانية، فهناك أكثر من ثلاثة ملايين صفحة توفي أصحابها ومازال أصدقاؤهم يتفاعلون معها، من جانبه قام الفيسبوك بصناعة أيقونات نتذكر بها موتانا ونضعها على صفحاتهم بدلا من شراء الورود ووضعها على مقابرهم، بل إن هناك موقع جديد اسمه فضاء للموتي MyDeathSpace.com يقوم بدور صفحة الوفيات التقليدية التي اختفت فعليا من الصحف الغربية(25). وأحيانا ينشأ نزاع على أحقية ميراث صفحات المتوفين قد ينتهي في المحاكم كما حدث في ولاية ويسكونسن في الولايات المتحدة حيث حكمت المحكمة بأحقية الوالدين في ميراث صفحة ابنهما المنتحر. ولا يتوقف حضور الفيسبوك في المحاكم على نزاعات الميراث، فهو كثيرا ما يستخدم كدليل تعترف به المحكمة في كل القضايا حتى الجنائية منها(26). كما بدأ القانون يتعامل مع مفهوم جديد للشخص فإلى جانب «الشخص الطبيعي» المادي، و«الشخص الاعتباري» المعنوي هناك أيضا الشخص الافتراضي أو الرقمي.
الثقافة العربية في أمريكا
وتحدث دز سيد عبدالله السيسي تحت عنوان ( تدريس الثقافة العربية في أمريكا .. لمن؟ ولماذا؟ من الفضاء الإلكتروني إلى الفضاء الأكاديمي .. والعكس!
ويقول في ملخص بحثه: مع ظهور أشكال جديدة، ومنصات مستحدثة ومبتكرة من وسائل الإعلام والتواصل في العالم الغربي، لم يعد بوسعنا أن نتكلم عن الإعلام الغربي بوصفه كيانا واحدا يقدم وجهة نظر وحيدة. وليس من الحياد أن نضع الإعلام الغربي كله في سلة واحدة، فنمارس الإجمال والتعميم المخل ذاته الذي ننتقده نحن في كثير من وسائل الإعلام الغربي عند تعاطيها قضايا العالم العربي وثقافته. فالإعلام في العالم كله لم يعد خاضعا كليا لسيطرة حكومات ولا مؤسسات، رسمية كانت أو مستقلة، كما كانت الحال حتى العقد الماضي.
تسعى هذه الورقة إلى مناقشة مدى التغيير الذي قامت به - وتستطيع أن تطوره مستقبلا - وسائل الإعلام المبتكرة والمستحدثة في التصدي لنشر التصورات المغلوطة حول ثقافات بعينها، خصوصا الثقافة العربية وقضايا الشأن العربي بشكل عام. فمع تصاعد وتطور ديناميكية الإعلام التفاعلي الذي تقوم عليه وسائل الإعلام الحديثة التي تسعى إلى التحرر من هيمنة المؤسسات التقليدية، تراجعت إلى حد بعيد أحادية الصوت والرؤية التي اعتاد الإعلام المؤسسي أن يفرضها في الماضي. وتغيرت كذلك ديناميكية الإعلام والتلقي بحيث صار الطرف الذي كان سلبيا دائما باعتباره المتلقي في وسائل الإعلام التقليدية أكثر فعالية وحضورا وقدرة على تغيير المعادلة الإعلامية، فغدا يحتل مساحة تزداد تباعا في تلك القنوات، ولم تكتف المنصات الإعلامية المستحدثة بمزاحمة ومنافسة المنصات التقليدية، بل صارت جزءا من الحراك السياسي على المستوى الشعبي وعلى المستوى الرسمي كذلك.
وعلى الرغم من كل تلك الجوانب الواعدة بما يمكن أن يتبدى فضاء حرا تماما، فإنه لاتزال وسائل السيطرة والحد، وربما المنع، تمارس عملها في المقابل، سواء كان ذلك على نحو معلن أو بطرق خفية. ومن القضايا التي لا يتورع القائمون على وسائل الإعلام التقليدية منها أو المستحدثة عن ممارسة سلطتهم وتدخلاتهم المباشرة وغير المباشرة ما يتعلق بالعرب والمسلمين؛ فبالإضافة إلى ممارسة ضغوط لغلق حساب أو صفحة أو قناة على موقع ما، يمكن أن تستخدم تلك المساحة المفترضة للتعبير الحر سلاحا ضد مستخدمها للتنكيل به، اجتماعيا أو وظيفيا، بسبب آراء لا تروق لتوجهات المؤسسة الأكاديمية التي يعملون بها.
ولا تقتصر إشكالية تكريس التصورات المغلوطة عن الثقافة والقضايا العربية وثقافتهم على المنصات الإعلامية في التلفزيون أو الإنترنت، ولكن تمتد في كثير من الأحيان إلى المجال الأكاديمي كذلك؛ ففي حين يفترض أن تقوم المؤسسات الأكاديمية بنشر الوعي العلمي العميق بكل الثقافات بالحيادية والنزاهة الأكاديمية، تتمكن قوى معينة ذات أيديولوجيات وتوجهات بعينها من خلال آليات مختلفة للسيطرة على نشاط برامج الدراسات العربية من داخل تلك المؤسسات أو من خارجها للتحكم فيما يجري تدريسه، وفي مدى فعالية تلك البرامج والحد من قدرتها على نشر الوعي الحقيقي بالثقافة وبالشؤون العربية، وقدرتها على التصدي لتيار تشويه تلك الثقافة، وتكريس ما هو مغلوط وسلبي عنها.

الإعلام الضرير
وعنون الباحث وليد علاء الدين ورقته البحثية بعنوان ( الإعلام الضرير.. تفكيك مسارات الخطاب الشعبوي)
ويقول في ملخصها: يعرف الأكاديمي الفرنسي بيير أندريه تاغويف الشعبوية، في كتابه «الوهم الشعبوي»، بوصفها أسلوبا أكثر منها أيديولوجيا، أو حتى محتوى لبرنامج سياسي.
فهي أسلوب تمارسه الحكومات بهدف «إرضاء الجماهير لجعلها تشعر بأن حالتها جيدة، حتى حينما تسير الأمور مسارا سيئا».
على افتراض أن الحكومات الغربية الأوروبية والأمريكية، تمارس أسلوب الشعبوية لتنميط ونمذجة صورة العرب؛ فإن دراستنا تفترض أن الإعلام الغربي ليس «ضريرا» يطمئن فقط لما يعرفه أو يقدم له على أنه الحقيقة. وعليه فإن دراستنا هي مقترح لتفكيك مسارات انتقال الخطاب الشعبوي (الرسالة) من رأس السلطة (المرسل) إلى الشعب (المستقبل).
هذه المسارات تتم داخل المنظومة الإعلامية التي ترتكز - في الأساس - على «الصحافي»، مع عدم إغفال مؤثرات أخرى سيتم تسليط الضوء عليها؛ فالصحافي (ناقل الخبر) رغم اتساع مفهومه في عصر الإعلام الجديد، يظل صاحب الدور المركزي في نقل الرسالة.
هذه الدراسة تقترح تصنيفا علميا لأنماط الصحافيين وفق منهج متكامل، أساسه تحليل المضمون والخطاب، بمعاونة عدد من العلوم الإنسانية، بهدف الانتقال من موقف المتفرج السلبي، إلى العمل بإيجابية في مقاومة الصورة النمطية للثقافات العربية في المجتمعات الغربية، وإيجاد صورة أقل تشوها، عبر «استخدام» الصحافي الغربي نفسه، كل وفق النمط الذي تكشف الدراسة انتماءه إليه.
هذا الاستخدام يبدأ من مجرد القدرة على كسر حدة البعض، مرورا بتفعيل ممكنات الإفادة الإيجابية من البعض الآخر؛ وصولا إلى تنوير البعض بالموقف وكسب تعاطفه وانتمائه.
إلى جوار التصنيف المقترح، تتحدث الدراسة عن أهمية إجراء دراسة شاملة ودقيقة لمصادر المعلومات والأخبار التي يستخدمها الصحافيون في الغرب، لوضع شبكة توضح العلاقات بينها وبين الصحافيين وفق التصنيفات المقترحة. وذلك لتحليل وفهم أنماط توظيف مصادر المعلومات والآراء داخل بنية قصصهم الخبرية التي يقدمونها للقراء أو المشاهدين، وأشهر الأطر المستخدمة لتقديم المفاهيم المركزية في خطابهم حول العرب. هذا الجهد سوف يكون مرتكزا لاقتراح العمل في اتجاهات محددة لتعزيز المحتوى بأشكال ومستويات متعددة مدروسة؛ لتوفير بدائل تحقق متطلبات الإعلاميين وفق التصنيفات التي تقترحها الدراسة.
الاعلام والسلطة
وتحت عنوان ( الإعلام الجديد وأثره على قيم الديموقراطية الليبرالية) تحدث الدكتور عمار على حسن من مصرن مستعرضا جوانب من العلاقة التاريخية بين الاعلام والسلطة في النظم الديمقراطية ، وكذلك في النظم الشمولية.
ويعرض حسن تصورا في ورقته وهو ان الإعلام الجديد هو ابن شرعي لليبرالية، لاسيما في قيمها الأساسية التي ترتكز على المواطنة، والمراكز القانونية المتساوية، والمشاركة الواسعة، واحترام حرية التفكير والتعبير والتدبير، والانفتاح على الآخر، والتعددية، واللامركزية، والمساءلة، والشفافية، والسوق المفتوحة، والحكومات المفتوحة أيضا... إلخ. ومع هذا لايزال من المبكر جدا معرفة ما إذا كانت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الرقمية سينظر إليها بدرجة أكبر باعتبارها أدوات للتحرر أو أدوات للسيطرة الاجتماعية والسياسية، بعد أن التفت النظم المستبدة إلى أهميتها واستعملتها في الحرب على الحرية.
وناقش حسن الإعلام الجديد كثورة ناعمة، والسياسة والإعلام الحر، والإعلام الجديد كابن شرعي لليبرالية، وأخيرا الإعلام الجديد .. أداة للتحرر أم الإكراه؟.



الاتصال السياسي

وتحت عنوان (الاتصال السياسي في المشهد الإعلامي الجديد) تباحث د. إبراهيم بن عبدالعزيز البعيز من السعودية، مستعرضا ورقته البحثية التي قال في ملخصها:


يمثل الإعلام عنصرا أساسيا ضمن منظومة مؤسسات الدولة الحديثة، ويتفاعل مع بقية المؤسسات بدرجات مختلفة من التأثير والتأثر، ومستويات متباينة في المساهمة في تشكيل الرأي العام، وفتح نوافذ المشاركة في صنع القرار. وتتباين الدول في أساليب تعاملها وتنظيمها للإعلام، بما يضمن لها توافق هياكله التنظيمية (من حيث الملكية والتمويل)، وانتشار وسائله ومضامينه مع قيمها الثقافية والسياسية؛ لذا، زخرت كثير من دراسات وأدبيات الإعلام المقارن بالعديد من النظريات المعيارية والتصنيفات لوسائل الإعلام في مختلف دول العالم؛ وفقا لحظها من النضج السياسي، وقدرتها على استيعاب متطلبات المشاركة، ومساهمة الإعلام في فضاء الحوار بكل أبعاده ومحاوره السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز دور المؤسسات الإعلامية لتكون سلطة رابعة تسهم في التصحيح الذاتي لمؤسسات الدولة.
أثمرت التطورات المتلاحقة في تقنيات الاتصال والمعلومات عن تغييرات ملحوظة في المشهد الإعلامي الحديث، مما ترتب عليه تحديات جديدة لوسائل الإعلام التقليدية، وتغيرت معها قواعد العمل الإعلامي. بدأت ملامح ذلك التغيير مع ظهور القنوات الفضائية التي تجاوزت الحدود الجغرافية بشكلها المعهود، لكنها اتضحت بشكل جلي بانتشار التطبيقات المتعددة لمنصات التواصل الاجتماعي، والتي فتحت منافذ جديدة لما يمكن تصنيفها بوسائل الإعلام البديل. وتجلت تأثيرات هذه المنصات بتداعيات اختلطت فيها الإيجابيات مع السلبيات في الفضاء العام للإعلام، ولم تكن ساحة الاتصال السياسي ببعيدة عن تلك التأثيرات.
تهدف الورقة إلى تقديم قراءة وصفية للمشهد الإعلامي الحديث، وما اتسم به من تغيرات جوهرية في ظل الطفرة الاتصالية، ومدى تداعياتها الإيجابية والسلبية على العناصر الاتصالية للمهنية الإعلامية بشكل عام، وعلى الاتصال السياسي بشكل خاص، وسيشمل ذلك عرض بعض من الأمثلة والنماذج لمثل هذه التأثيرات على قيم الديموقراطية الليبرالية والعمليات الانتخابية